عبد الوهاب الشعراني
241
تنبيه المغترين
وكان أبو سليمان الداراني رحمه اللّه تعالى يقول : ليس للرجل أن يحمل أهله وعياله على الزهد في الدنيا وإنما عليه أن يدعوهم إليه فإن أجابوه وإلا زهد في نفسه وأتاهم بما يصلحهم ، وكان رحمه اللّه تعالى يقول : ما أشغلك عن ربك من أهل أو مال أو غير ذلك فهو مشتوم عليك . ( قلت ) وذلك لأن اللّه تعالى جعل الموجودات كلها مذكرة للعبد بربه عز وجل وهناك تكون مباركة عليه بخلافها إذا حجبت العبد عن ربه ، ومن هنا كان الولد والمال أعظم فتنة للعبد لأنه لا يصح له الإقبال على اللّه تعالى مع الميل إليهم فافهم ، وقد بلغ وكيعا رحمه اللّه تعالى أن سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى أكل الطباهيج فعاب ذلك عليه وقال : إن الناس يقتدون بك في أكل الشهوات . وكان بلال بن سعد رحمه اللّه تعالى يقول : لو لم يكن لنا إلا رغبتنا بعد أن زهدنا اللّه فيها لكان في ذلك كفاية من الذنب ، وقد كان أبو سليمان الداراني رحمه اللّه تعالى يقول : قد سمعنا في الزهد كلاما كثيرا وأحسن ما رأيناه فيه أنه الزهد في كل شيء يشغل عن اللّه تعالى حتى العلم والعمل . ( قلت ) يعني بأن دخل فيهما الرياء والعجب أو حب ثناء الناس أو نحو ذلك وإلا فمن أخلص في علمه وعمله لا يصلح في حقه الزهد في ذلك ، لأن الإخلاص فيهما مما يجمع قلب العبد على ربه عز وجل واللّه أعلم ، وقد قال رجل مرة لسفيان بن عيينة رحمه اللّه تعالى دلني على زاهد أجلس إليه من العلماء ، فقال له : يا هذا تلك ضالة لا توجد ، وكان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يقول : الزهد كله تعب نفس فمتى مال صاحبه إلى الراحة في الدنيا فقد رجع عن الزهد حينئذ . وكان محمد بن سيرين رحمه اللّه تعالى يقول : قد طلبوا الإمام أبا حنيفة للدنيا فهرب منها وطلبنا نحن الدنيا فهربت منا ، فانظروا كم بين الرجلين ، وكان يوسف بن أسباط رحمه اللّه تعالى يقول : طلبت من اللّه تعالى ثلاث خصال أن أموت وليس في ملكي درهم ولا عليّ درهم ولا على عظمي لحم ، قال : فمات رحمه اللّه كذلك ، وقد أرسل الخليفة مرة بجوائز إلى الفقهاء فقبلوها وأرسل إلى الفضيل بن عياض عشرة آلاف درهم فردها ، فقال له أولاده : قد قبل الفقهاء ذلك وهم قدوة الناس فهلا قبلت أنت الآخر ، قال : فبكى وقال : ما مثلي ومثلكم إلا كمثل قوم لهم بقرة يحرثون عليها فلما هرمت قالوا لبعضهم